Advertisement

خلاصة كتاب: سيكولوجية الجماهير “ذوبان العقل الفردي في هيمنة اللاوعي الجماعي”


— العنوان الأصلي: Psychologie des foules
— تأليف: غوستاف لو بون، طبيب وعالم اجتماع فرنسي
— ترجمة: د. هاشم صالح
— دار النشر: دار الساقي
— مكان النشر: لندن، بيروت
— الطبعة: الطبعة الأولى
— سنة النشر: ١٩٩١

الفكرة العامة

ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية تتأسس على أن البشرية تمر بمرحلة انتقال حاسمة تتمثل في تدمير العقائد الدينية والسياسية والاجتماعية القديمة، ليحل محلها عصر جديد يسميه المؤلف “عصر الجماهير” (ص 43). يرى الكاتب أن الجماهير أصبحت القوة الوحيدة المهيمنة بعد تهاوي السلطات التقليدية، وأن هذا الصعود الجماهيري يمثل تهديداً للبناء الحضاري العقلاني، لأن الجماهير تمتلك قدرة هائلة على الهدم والتدمير، وتفتقر إلى القدرة على البناء. وتكمن الإشكالية الأساسية في فهم هذه القوة العمياء من خلال استكشاف آلياتها النفسية، حيث يؤكد المؤلف أن دراسة نفسية الجماهير هي الوسيلة الوحيدة لفهم طبيعة التحولات التاريخية والسياسية المعاصرة، وتجنب الخضوع الأعمى لاستبدادها.

المحاور والأفكار الأساسية

— القانون النفسي للوحدة الذهنية وتلاشي الفردية

يؤسس المؤلف مقاربته على فكرة أن انخراط الفرد في الجمهور لا يعني مجرد التجمع الفيزيائي، بل ينشأ عنه كيان جديد يمتلك “روحاً جماعية” مؤقتة ولكنها محددة بوضوح (ص 53). في هذه الحالة، تطمس الشخصية الواعية للفرد وتوجه كل مشاعره وأفكاره في نفس الاتجاه الذي يحدده اللاوعي. يفسر المؤلف هذا التحول بثلاثة أسباب رئيسية: أولها شعور الفرد بـ”قوة لا تقهر” نتيجة الكثرة العددية، مما يسمح له بالانصياع للغرائز التي يكبتها عادة (ص 60). وثانيها “العدوى العقلية” التي تجعل الفرد يضحي بمصلحته الشخصية لصالح المصلحة الجماعية. وثالثها والأكثر أهمية هو “القابلية للإيحاء”، حيث يدخل الفرد في حالة تشبه التنويم المغناطيسي، يفقد فيها إرادته الواعية وتتحول أفكاره المشردة إلى أفعال مندفعة (ص 61-62).

— التطرف العاطفي واضمحلال المحاكمة العقلية

يتتبع المؤلف الخصائص النفسية للجماهير، مبرزاً أن عواطفها تتميز دائماً بالبساطة والتطرف والمبالغة، حيث لا تعرف الشك أو التردد (ص 65). تتنقل الجماهير بسرعة فائقة من التعاطف إلى الكراهية، وتتقبل الأفكار إما كحقائق مطلقة أو كأخطاء مطلقة، مما يفسر نزعتها الاستبدادية وتعصبها الشديد (ص 78). وفي المقابل، يوضح المؤلف بطريقة تحليلية أن هذا التطرف العاطفي قد يدفع الجماهير إلى مستويات عالية من التضحية والبطولة التي يعجز عنها الفرد المعزول، لأنها لا تحسب حساباً للخطر (ص 77). على المستوى العقلي، يثبت المؤلف أن الجماهير لا تحلل منطقياً، بل تفكر من خلال “الصور” والترابطات السطحية الخالية من أي ترابط منطقي دقيق (ص 84). وبالتالي، فإن مخيلة الجماهير تكون شديدة التأثر، ولا تفرق بين الواقع والوهم، مما يجعل الأحداث العجيبة والأسطورية هي المحرك الحقيقي لتاريخ الشعوب.

— دينامية العقائد وأساليب المحركين في التجييش

ينتقل الكتاب لتفكيك العوامل التي تشكل آراء الجماهير وعقائدها، مقسماً إياها إلى عوامل “بعيدة” كالتقاليد والزمن والمؤسسات والتربية (ص 99)، وعوامل “مباشرة” تتمثل في الصور والكلمات والشعارات والأوهام والتجربة (ص 115). يبرهن المؤلف على أن الكلمات لا تمتلك دلالات عقلانية ثابتة، بل تأثيرات سحرية مرتبطة بالصور التي تثيرها في المخيلة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الماسة إلى “القادة” أو المحركين، فالجمهور عبارة عن قطيع لا يستطيع العيش بدون سيد (ص 129). يستخدم هؤلاء القادة ثلاث وسائل أساسية للسيطرة: “التأكيد” المجرد من كل دليل، و”التكرار” المستمر حتى تترسخ الفكرة في اللاوعي، و”العدوى” التي تنشر الفكرة بين الجماهير (ص 134-136). وتتوج هذه الوسائل بمفهوم “الهيبة”، وهي قوة خفية يمتلكها القائد أو الفكرة، تشل قدرة الجمهور على النقد وتفرض الخضوع التام (ص 139).

— التصنيف الجماهيري وسيكولوجية المجالس النيابية

يطبق المؤلف نظريته على فئات مختلفة من الجماهير، مقسماً إياها إلى جماهير غير متجانسة (كجموع الشارع، محلفي المحاكم، والناخبين) وجماهير متجانسة (كالطوائف والزمر والطبقات) (ص 160). يحلل الكاتب سلوك المحلفين والناخبين، ليثبت أن قراراتهم لا تصدر عن دراسة عقلانية، بل عن تأثيرات عاطفية وانقياد لهيبة المرشح أو المحامي (ص 170، 177). ويبلغ هذا التحليل ذروته في دراسة “المجالس النيابية”، التي يعتبرها المؤلف نموذجاً مثالياً للجمهور النفسي المتقلب. فرغم أن النواب أفراد مثقفون، إلا أنهم داخل المجلس يخضعون للتبسيطية الفكرية والعدوى العاطفية، ويتأثرون بالخطابات الرنانة للقادة ذوي الهيبة (ص 188). ومع ذلك، يخلص المؤلف ببرغماتية إلى أن هذه المجالس الديمقراطية، رغم كل عيوبها ومخاطر استبدادها، تمثل الحل الأقل سوءاً المتاح للشعوب، مقارنة بالاستبداد الفردي المطلق (ص 196).

الخاتمة

يختم المؤلف تحليله برسم مسار دائري وحتمي لحياة الحضارات، مشيراً إلى أن الأمة تبدأ كحشد من الأفراد المتباينين الذين توحدهم تدريجياً “عقيدة قوية”، لينبثق من ذلك شعب ذو روح واحدة ومؤسسات حضارية مستقرة. ولكن، بمجرد أن تفقد هذه العقيدة الأساسية هيمنتها وتبدأ في التحلل، يبدأ بناء المجتمع بالاهتزاز، وتتلاشى الشخصية الفردية القوية لتعود الجموع إلى حالتها الأولى: حشداً أو جمهوراً فاقداً للوجهة، لا يحركه سوى النزوات المتقلبة. الأطروحة النهائية للكتاب تؤكد أن دور الجماهير في التاريخ هو دور تدميري بالأساس، فهي تعمل كمعاول هدم للحضارات الهرمة عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية والعقائدية، لتختم دورة حياة الشعوب بالعودة إلى حالة الهمجية البدائية التي انطلقت منها يوماً ما (ص 199-201).