أنا شكري مخلوفة، ابن مدينة الجم العريقة، ولدتُ بين جدران التاريخ وأنفاس الحضارة الرومانية التي علمتني أن الفن هو الأثر الوحيد الذي لا يمحوه الزمن. لم يكن اختياري للخشب كمادة تعبيرية مجرد صدفة، بل هو عشق لتلك المادة الحية التي تحمل في ثناياها قصص الغابات وصبر السنين. حين أمسك قطعة الخشب، لا أرى جذعاً أصماً، بل أرى كائناً ينتظر مني أن أمنحه حق الوجود من جديد، وهذا ما حدث بالضبط مع منحوتة “الثعبان” التي أعتبرها علامة فارقة في مسيرتي الفنية والحرفية.
لقد كان الثعبان بالنسبة لي تحدياً كبيراً في تطويع المادة، فكيف أجعل الخشب الصلب يحاكي انسيابية كائن يفيض بالليونة؟ في هذا العمل، جعلت من عروق الخشب الطبيعية حليفاً لي، فتركت التجزعات الأصلية في الجذع ترسم ملامح الحراشف والجلد بذكاء فطري، وكأن الطبيعة هي من كانت تنحت معي لتضفي واقعية مذهلة على العمل. لم يكن الهدف مجرد صنع مجسم، بل بث الروح في تلك الالتواءات والانحناءات لدرجة تجعل الناظر يشعر بأن الثعبان في حالة تأهب دائمة، وكأن جسده الخشبي سيتملص من جموده في أي لحظة ليتحرك في أرجاء المكان.
في كل ضربة إزميل وفي كل تفصيل وضعتُه في رأس الثعبان وعينيه بدقة متناهية، كنت أستحضر صبر الحرفي التونسي وجلده الذي لا يعرف المستحيل. إنني أؤمن بأن رسالتي كفنان أصيل ولاية المهدية هي التأكيد على أن المبدع في هذه الأرض قادر على تحويل أبسط الخامات إلى روائع عالمية تزاوج بين أصالة الانتماء وحداثة الرؤية، لتظل أعمالي شاهداً على أن الخشب بين يديّ لا يصمت، بل ينطق بسحر الطبيعة ويحاكي حركتها الخالدة.



















